الإرادة بين المرونة واللدونة

56سأبدأ (كمهندس في أصل دراستي) بتعريف الفرق بين المرونة elasticity واللدونة  plasticity. ففي الحالة الأولى يتمدد الجسم تحت تأثير قوة خارجية عليه لكنه يستعيد حجمه ووضعه الأصليين بعد زوال القوة المؤثرة ، أما في الحالة الثانية ذلك التشوه أو جزء منه بشكل دائم حتى بعد زوال القوة المؤثرة لطبيعة المادة أو طول فترة التأثير الخارجي أو العاملين معا.

الأطباء يقولون لنا أن المعدة أيضا لديها مرونة ولدونة فإذا أكلت وجبة كبيرة تضطر المعدة للتمدد لاستيعاب تلك الكمية ثم تعود إلى حجمها الأصلي بعد هضم الوجبة ، لكن إذا تكررت الوجبات الكبيرة وأصبحت روتيناً فستتمدد المعدة بشكل دائم وتبقى على ذلك الحجم الكبير غير الطبيعي مما سيجعل الوجبات الكبيرة أمرا مقبولا وطبيعيا لها بل وسيشعر صاحبها بالجوع إن لم تكن الوجبة كبيرة تملأ المعدة المتوسعة ، وبعد ذلك تأتي لصاحب المعدة مشاكل زيادة الوزن وما يتبعها من مشاكل صحية كأمراض القلب والمفاصل فيلجأ الكثيرون لعمليات جراحية يتم خلالها تصغير المعدة بالقص أو الربط. لست طبيباً مختصاً لأشرح هذه العمليات وآثارها الجانبية وأضرارها لكن المؤكد هو أن العملية لا تستطيع بمفردها الإبقاء على الوزن المعتدل للشخص ولا تضمن وضعه الصحي على المدى البعيد بل لا بد له من تعديل نمط حياته كي يتفادى عودة البدانة. تفسير ذلك أن المعدة بعد أن تقلصت نتيجة العملية الجراحية يمكنها تدريجيا أن تعود إلى التوسع إذا عاد الشخص للوجبات الكبيرة وعندها تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الجراحة وربما أسوأ.

النقطة الأساسية هنا هي أن المعدة لديها مرونة إذا أتتها وجبة كبيرة مفاجئة لتعود بعدها إلى سابق حجمها ما لم يتكرر ذلك الأمر فتتحول المرونة إلى لدونة ويصبح التمدد دائماً.

إرادة الإنسان تشبه المعدة فلديها قدرات لمقاومة الإغراءات ولديها مرونة ولدونة ، مع الفارق أنه خلافاً للمعدة التي تتمدد في الوضع غير الطبيعي ، تتقلص الإرادة في الوضع غير الطبيعي. فإذا ضَعُفَ الإنسان مرةً أمام نزواته وشهواته تقلصت الإرادة مؤقتاً أمام الشهوات ، ثم تعود لاحقاً إلى وضعها الطبيعي لتعيد الأمور إلى نصابها ، أما حين يتكرر الضعف والانزلاق ويصبح أمراً روتينياً في حياة الشخص عندها تتحول المرونة إلى لدونة ويصبح تقلص الإرادة دائماً بل وتستمر في التقلص لتزيد هزائمها أمام الشهوات والنزوات. هنا يكون الشخص أمام احتمالين: إما أن يستمر الوضع على ما هو عليه بتقلص الإرادة وتغلب الشهوات حتى ينتهي ويموت ، أو أن ينتبه لنفسه (نتيجة مؤثر خارجي أو صحوة ضمير) فيقوم بـ “عملية جراحية” لتوسيع إرادته والعودة بها إلى وضعها الطبيعي أي أن يتوب عن سلوكه المنحرف ويعقد العزم على ألا يعود إليه. هذه الصحوة قد تكون مجرد فقاعة مؤقتة إن لم يتبعها بتغيير جدي في سلوكه ونمط حياته كي يحافظ على قوة الإرادة.

وإذا نظرنا إلى الصوم فهو يقوم بالأمرين معاً: يُقَلّصُ المعدة لتعود إلى حجمها المثالي ، ويقوّي ويمدد الإرادة بالامتناع الإرادي عن الشهوات طيلة ساعات الصيام. للأسف يفسد كثيرٌ منا جزءاً من الفائدة الأولى بوجبة ثقيلة للإفطار ترهق المعدة بعد صبر طويل ، والأولى التدرج والاعتدال في الأكل للاستفادة الجسدية من الصوم: إفطار على تمرات أو كأس من الماء أو كليهما ثم استراحة للصلاة تكون فيها المعدة قد استعدت لاستقبال الوجبة التي يُفَضّل أن تكون خفيفة هيّنة عملاً بالسنّة النبوية الشريفة (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) وأحاديث أخرى في نفس السياق بل وإن إرادته يجب أن تتدخل وقت جلوسه إلى المائدة فتضبط شهوة الطعام والشراب حسب ما توصي به السنّة ويؤيده العلم.

لقد قيل عن قدرات الإنسان الجسدية والعقلية والنفسية والروحية: إما أن تستعملها أو تضمر (use it or lose it) لكن المؤكد في الأمر شيئان: أولا أنه لا يمكن للإنسان أن يصل درجة الكمال أو السيطرة الكاملة للإرادة على الشهوات وهذه سنة الله في الخلق فالكمال لله وحده والعصمة للأنبياء ، والخطأ جزء من طبيعة الإنسان ولكن الإنسان المؤمن العاقل أوّابٌ فهو يعود إلى ربه وضميره بعد كل خطأ فلا يفقد بوصلته الأخلاقية التي تعيده إلى الجادة الصحيحة إذا انحرف عنها. ثانيا أنه مهما وصل الإنحراف بالشخص يبقى لديه شيء من الإرادة يمكنّه من العودة إلى الوضع الصحيح لكن كلما تأخر القرار كلما كان القرار والتنفيذ أصعب لكن الأمل لا ينقطع.

مهما فعلت احرص على ألا تفقد بوصلتك الأخلاقية وألا تضعف إرادتك وتستسلم للشهوات. اعلم أن النجاح في الدنيا والفوز في الآخرة يحتاجان قوة الإرادة لتبقيك في الجادة الصحيحة (فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) ، نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه و أن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

الكاتب: صالح المبارك.

 

صدى

رابط قصير: http://www.sada.pro/news/?p=82310

نشر في 2017-05-30, عدد الزيارات :